أبي الفرج الأصفهاني

115

الأغاني

مع الجائزة دابّة بسرجه ولجامه [ 1 ] ، ولن تنصرف الليلة إلا على مثله ، فقمت فقبّلت يده ؛ فأمر لي بألفي دينار آخرين ، وقال : تلك الكرّة شكرت على الجائزة بكلام فزدناك ، والآن شكرت بفعل أوجب الزيادة ، ولولا أنّي مضيق في هذا الوقت لضاعفتها ، ولكنّ الدهر بيننا مستأنف جديد . غنى الرشيد في طريقه إلى طوس بشعر له فاستحسن الغناء دون الشعر : حدّثني جحظة قال حدّثني هبة اللَّه بن إبراهيم بن المهديّ عن أبيه قال : / لمّا نزل الرشيد في طريقه إلى طوس [ 2 ] بشبداز [ 3 ] جلس يشرب عنده ، فكان إبراهيم الموصليّ أوّل من غنّاه ، فابتدأ بهذا الصوت ، والشعر له : صوت رأيت الدّين والدّنيا مقيمين بشبداز أقاما بين [ 4 ] حجّاج وغاز أيّما غاز - وهو من الثقيل الأوّل - فأمر له بألف دينار ، ولم يستحسن الشعر ، وقال له : يا إبراهيم صنعتك فيه أحسن من شعرك ؛ فخجل وقال : يا سيّدي شغل خاطري الغناء فقلت لوقتي ما حضرني ؛ فضحك الرشيد من قوله وقال له : صدقت . كان كثير الأصدقاء من الأشراف : أخبرنا يحيى بن عليّ بن يحيى عن حمّاد عن أبيه قال : كان جدّك محبّا للأشراف كثير الأصدقاء منه ، حتى إن كان الرشيد ليقول كثيرا : ما أعرف أحدا أكثر أصدقاء من إبراهيم . كان مع الغناء كاتبا وشاعرا وخطيبا : قال إسحاق : وما سمعت أحسن غناء من أربعة : أبي ، وحكم الوادي ، وفليح ابن أبي العوراء ، وسياط ؛ فقلت له : وما بلغ من حذقهم ؟ قال : كانوا يصنعون فيحسنون ، ويؤدّون غناء غيرهم فيحسنون ؛ فقلت : فأيّهم كان أحذق ؟ قال : كانوا / بمنزلة خطيب أو كاتب أو شاعر يحسن صناعته ، فإذا انتقل عنها إلى غيرها لم يبلغ منها ما

--> [ 1 ] كذا في ط ، ء ، وهو الذي يوافق الضمير في : « إلا على مثله » . وفي باقي الأصول : « بسرجها ولجامها » . [ 2 ] طوس ( بضم أوّله وسين مهملة ) : مدينة معروفة ما بين الريّ ونيسابور في أوّل عمل خراسان وفيها دفن هارون الرشيد . قال ابن حوقل : وعلى ربع فرسخ منها قبر علي بن موسى الرضا . [ 3 ] كذا في ط ، ء . وشبداز : موضع بين حلوان وقرميسين تبعد عن قرميسين يسرة بأقل من فرسخين . وفي سائر الأصول : « شيراز » وهو تحريف . ( راجع « معجم البلدان » في الكلام على شبداز و « المسالك والممالك » لابن خرداذبه في كلامه على الطريق من مدينة السلام إلى أقاصي خراسان ص 18 طبع مدينة ليدن ) . [ 4 ] كذا في ب ، س . وفي سائر الأصول : « أقاما مع حجاج » . والحجاج : الكثير الحج . يريد أن الدين والدنيا قد اجتمعا للرشيد الذي كان كثير الحج والغزو .